قراءة في رواية طقوس الرحيل لعباس علي عبود بقلم الأستاذ بكري جابر موسى

إذا القينا نظرة سريعة على المنتج الإبداعي السوداني - في حقل الكتابة- خلال العشرين عاماً الأخيرة نلحظ أن الرواية أصبحت تتسيد الموقف الجمالي بامتياز ، من حيث كمية المنتج ونوعيته ، حتى أصبح بمقدورنا أن نطلق على الراهن الإبداعي السوداني: زمن الرواية بحسب تعبير الناقد المفكر د. جابر عصفور . فقد شهدت هذه الفترة الممتدة من أواسط الثمانينيات وحتى الآن ميلاد أكثر من عشرة أسماءٍ روائيةٍ مهمة أنتجت مجتمعةً نحو أكثر من خمسين عملاً روائياً تستحق القراءة الواعية ومن ثم التعاطي النقدي معها: ومن هذه الأسماء نذكر على سبيل المثال : أمير تاج السر ، مروان حامد الرشيد ، الحسن بكري ، بثينة خضر مكي ، طارق الطيب ، بابكر ديومة ، أحمد حمد الملك ، أبكر آدم إسماعيل ، محسن خالد ، عماد براكة ، إبراهيم سلوم ، عباس علي عبود. ويبدو أن التحولات التي طرأت على الواقع السوداني سياسياً واجتماعياً واقتصادياً ، بالإضافة إلى حقبة الدياسبورا الحالية التي نعيشها ، إلى جانب الاهتمام العالمي الذي حظيت به الرواية كجنس أدبي (واسع الصدر) قادر على احتواء التحولات وتعقيدات الحياة ، هو ما أدى إلى هذا (الانفجار الروائي) في السودان مؤخراً . فمنذ سموق الطيب صالح في فضاء الإبداع السوداني والعربي ومن ثم العالمي في ستينيات القرن المنصرم صام المبدعون السودانيون عن كتابة الرواية دهراً طويلاً لم نشهد خلاله إسهامات ذات بال سوي مغامرات المبدع إبراهيم إسحق الكبرى التي دشنته جسراً روائياً مهماً يوصل جيل الطيب صالح (ستينيات القرن المنصرم) بجيل الرواية الحالي .

طقوس الرحيل وملقط الذاكرة:
في هذه الرواية الصادرة حديثاً (ديسمبر 2005) وهي الأولى لعباس علي عبود، يهرع الروائي للإمساك بذاكرة توشك أن تتهاوى قبل أن تسقط في وحل الأيام كي يعيد ترميم ذاكرته الخاصة وذاكرتنا عن مدينة تمتلئ بالحكاوي والتناقضات والأساطير، مدينة كان قدرها أن تبني برمل الأحلام على شاطئ يمتح من ملح التاريخ والمغامرة قبل أن تصاب بداء التحلل والوهن ومن ثم الرحيل ، فلا تجد شيئاً ينقذها من الاندثار سوى ذاكرة الروائي المتقدة دوماً. تلك الذاكرة الفريدة التي يمتاز بها الكاتب الروائي _ دون سواه _ هي طاقة الوجود التي ينفثها في مخلوقاته الروائية لتدب فيها الحياة . ومن هنا كانت أن نهضت مدينة الروائي من رماد التاريخ كالعنقاء بعد أن صارت إلى أشلاء ذكريات مبعثرة . يفتتح عباس روايته مفتتحاً سجعياً واضعاً قارئه منذ البداية أمام لحظة من الشعر تتدفق على طول مجرى الرواية بمستويات تتفاوت حسب وهاد ونجاد السرد اللغوي الذي تعبره الرواية في رحلتها من منبعها إلى مصبها المفتوح على احتمالات شتى . ولعل بُغية عباس من سجع المفتتح هو خلق حالة لغوية تتماهى وجغرافيا المشهد الروائي الذي يسعى الكاتب إلى تأسيسه. فاللغة بخلاف كونها حالة تاريخية/ دلالية ذات حمولات نفسية ، هي أيضاً طاقة تصويرية تحيل اللا مرئي إلى مرئي ، وهي أيضاً قوة بنائية فذة تنسج خيوط جغرافيتها من رحم التاريخ. وهذا ما فعله عباس حين عمد إلى رص مفردات مثل : صهيل ، رحيل وأصيل إلى جانب صلاة ، مياه ، حياة ، في نص البداية الذي يندلع هكذا : ( في البدء كان الصهيل ، العشق والرحيل ، ومنجم المياه . وكانت الحقول ، النهر والأصيل، وزورق الصلاة . رحيق مجلوب من مغارات الجبال وشقوق الوديان ، إلى الضفاف المروية بالشموس ، حيث دبت الحياة علقةً من صلصالٍ ، من حمأ مسنون ثم تناسلت من رحم المياه بين الخوف والرجاء....) ص .7 ولأن المسرح الدرامي هنا ذو أهمية قصوى في هذا العمل الروائي سعى عباس منذ البدء إلى تحديد المكان الروائي وإلى كيفية تشكله تاريخياً . وحتى يستدرج عباس قارئه إلى فخ المسرح الروائي ابتدر روايته بسرد غائم ومعمم عن المكان الذي ذهب به بعيداً إلى تاريخ وجود الإنسان على ظهر الأرض حيث كان يناجز الحياة بالمخالب والأنياب (ص7) إلى أن بنوا مساكنهم بأعالي الأشجار (ص7)، ثم واصلوا النزوح على حواف الضفاف حتى تنجلي سحب التعمية والتعميم شيئاً فشيئاً كاشفة عن مسرح الحدث الدرامي بشكل أدق حيث : تكونت البلدة من ثلاث جزر عند منحنى النهر (ص9) حيث قتل الشيخ إسماعيل صاحب الربابة (ص9) الذي وردت روايته في كتاب الطبقات لود ضيف الله . وهكذا يرتسم المسرح الروائي مفصحاً عن بلده على ضفاف النيل الأبيض ترتمي عند منحنى النهر الذي هو شريان حياتها ومستودع ذاكرتها لتنداح فيها دراما الحدث الروائي مسترسلة في شاعرية وغنائية صافية كصفحة النهر الذي يهب البلدة الحياة. ولا غرابة في ذلك فالروائي عباس جاء إلى الكتابة السردية من حقل الشعر الذي ارتاده زمناً ، إلى جانب الكتابة المسرحية التي مارسها عباس في مرحلة باكرة من مراحل عطائه الإبداعي الفني المتنوع . لذا يلحظ القارئ حضوراً طاغياً للغة الحوارية ذات البعد المشهدي والتي تم ترحيلها إلى الرواية عبر ذاكرة عباس المسرحية .

غنائية السرد ، وحوارية اللغة:
تنشغل الرواية - بغير كونها حالة لغوية تسند ذاكرة تتهادى - بهم شعري ينثال على حواف النص ليمنح الكتابة جمالها المرتجى . كما وتنغمس الرواية في لغة حوارية شيقة توقظ ذاكرة القارئ كلما أنهكته رتابة السرد . إذن فالغنائية واللغة الحوارية هما أهم ملمحان ينسربان من مسام السرد الروائي ليمنحا العمل الإبداعي بعداً جمالياً شفيفاً ويفتحان أمامه أفقاً دلالياً ليعطي الرواية قيمتها الفنية كعمل إبداعي جمالي متخيل . ومن هذا المنظور بذل الروائي جل طاقته الإبداعية ليخلق حالة من التعمية والتمويه ليسمو بعمله الإبداعي ويرفعه من حالة كونه واقع متعين إلى فضاء المتخيل السردي . فالجمالي ينحط حين يصف واقعاً يومياً معاشاً ، ويسمو كلما حلق في سماء الخيال ليعيد إنتاج الواقعي في ثوب جمالي متخيل لا وجود له إلا في ذهن الروائي منتج النص . والمدرك دائماً أن الكتابة الروائية التي تتكئ على واقع ما (تاريخي أو جغرافي) هي حالة انسلاخ إبداعي عن ذلك الواقع لتنتمي إلى أفق المطلق المتخيل الذي يجافي التاريخي والمتعين ويلعنهما . وهذا ما فعله عباس الذي أسس روايته استناداً على أحداث ووقائع وشخصيات تنتمي في كينونتها وتاريخيتها إلى الواقع الذي يصفه ، وهو واقع يدركه الروائي جيداً حيث عاشه وعايشه ، لكنه عمد إلى وضعه في قالب من الإيهام يرفعه من سخف الواقع إلى آفاق الخيال الرحبة.

الشخوص - رموز وإشارات:
ولأن هذه الرواية في الأساس رواية ذاكرة تتآكل ، جاءت تمتلئ بالرموز والإشارات السردية التي تتماس مع الواقع الجغرافي والتاريخي للبلدة التي يسعى الكاتب إلى إعادة ترتيب وقائعها روائياً . وتتحرك هذه الرموز على محورين دراميين هما شخوص الرواية ، وأماكن الحدث الدرامي . فشخوص الرواية هي في الغالب رموز لشخصيات عاشت وتعايشت مع ذلك الواقع الموصوف روائياً . وقد آثر عباس الاحتفاظ ببعض أسماء شخصيات الواقع وأحالها إلى شخوص روائية وفق إرادته الإبداعية . فنجد أسماء مثل : حجر السقا وقنبور وألويل وبخيت الساحر تكاد تكون أسماء ارتبطت ذات يوم بذاكرة البلدة وأصبحت جزءاً من خيالها العام. أما الشخصية المحورية عاصم بدر الدين والشخصيات الأساسية: طارق عبد المجيد ، طارق ود الموية ، ندى الحاج سعيد ، رابحة الوداعية ، وعاشة أم سُكْسُك والبلولة ومريم بدر الدين، ومريم هارون والحاج سعيد ، زينب المبارك وغيرهم فهذه الأسماء جميعها رموز لشخصيات كانت جزءاً من ذاكرة البلدة/الروائي في تلك اللحظة التاريخية التي يلتقطها الروائي بملقط خياله ليحركها داخل مربعات ملعبه الروائي حسب رؤيته الجمالية . وكذا تكتظ الرواية بالرموز الجغرافية التي تشكل المسرح الروائي الذي تتحرك فيه شخوص الرواية . وتعد هذه الرموز والإشارات الجغرافية من أهم المحطات (المكانية) في ذاكرة الروائي/البلدة لذا لم ينج عباس من ورطة اختيارها كعلامات تومئ إلى الواقع الذي يسعى إلى إعادة ترتيبه جمالياً . ومن أهم تلك الرموز الجغرافية المتناثرة في الرواية نجد : النخلة ، خور دورة ، والنهر ، والمدرسة الأولية ، والجميزات ، والغروب ، وحلة فلاته ، والمسجد ، وشجرة العيش و(صالون الجيل الجديد) . وكل من عاش في البلدة التي يصفها الروائي يدرك جيداً البعد الدلالي لهذه الرموز المكانية ورنين أجراسها في الذاكرة .

البعد السوسيولوجي للرواية:
بذكاء فذ التقط الروائي أربعة خيوط رئيسية ينضفر منها مجتمع البلدة سوسيولوجياً وعمل على غزلها جمالياً كاشفاً عن علاقات (خفية ومعلنة) بين أربع مجموعات تشكل في تداخلها وتشابكها وافتراقها مجتمع الرواية الذي يتمثل مجتمع البلدة في واقعها التاريخي، وتلك المجموعات هي : مجتمع فريق فلاتة (مريم هارون) ومجتمع عرب القيزان (البلولة) ومجتمع القادمين للبلدة من جنوب السودان (حجر السقا ، قنبور ، ألويل ودينق ديد) ، ومجتمع البلدة القديم - خلطة الوسط - (الحاج سعيد ، عاصم بدر الدين وطارق عبد المجيد والمبارك ، وندى الحاج سعيد .. الخ) . وترتبط هذه المجموعات في واقع الرواية بوثاق محكم وإن بدت على سطح الواقع مبعثرة ولا رابط بينها . ولكن بصيرة الروائي - التي تنفذ إلى ما وراء الواقع - هي القادرة على اصطياد البني العميقة التي تنسج سوسيولوجيا ذلك المجتمع المركب والمتشابك . ومن هنا تداخلت وتعانقت علاقات الشخوص ببعضها البعض . فقنبور - ذو الأصول الجنوبية - والذي يعتبر منبتاً لا ينتمي إلى أحد نجده ينتمي إلى كل سكان البلدة وتكاد تربطه صلة سردية بجميع شخوص الرواية . وكذلك مريم هارون القادمة للرواية من فريق فلاتة هي بنت كل البلدة وعشيقة عاصم. هذا إلى جانب الصلة الدرامية التي تربط حجر السقا بكافة شخوص الرواية وسكان البلدة داخل الرواية . هذا النسيج الاجتماعي الذي قاربه عباس جمالياً هو الوصفة السرية التي تستمد منها بلدة الروائي فرادتها السوسيولوجية .

خاتمة:
في ختام هذه القراءة السريعة لهذه الرواية الممتعة يمكن أن نقول وباختصار شديد أن طقوس الرحيل تمتاز بكونها عملاً جمالياً كتب بلغة شفيفة مازجت بين لغة السرد (الحكي الروائي) واللغة الحوارية والكتابة الشعرية التي تناثرت لترصع جسد السرد الروائي بلآلي من كلام . ويمكن أن يلحظ القارئ بعد الفراغ من قراءتها أن عدداً من خيوط السرد الروائي تركت مدلاة من نوافذ الرواية في انتظار مواصلة نسجها في الجزء الثاني لهذا العمل الإبداعي المهم ، أو في انتظار آخرين يلتقطون بعض منها ذات يوم ليواصلوا هذه المغامرة الإبداعية الكبرى التي دشنها عباس علي عبود بهذا الكتاب الأول لهذه الرواية والذي أعطاه اسم (رحيق الضفاف) والذي من المتوقع أن يتبعه الكتاب الثاني (مرافئ السراب) .