رحيل آخر عمالقة السودان .. الدكتور أحمد السيد حمد

مواقفه وشجاعته وجرأته وأدبه شكلت ملامحه
محمد سعيد محمد الحسن
نشر في الرأي العام يوم 01 - 10 – 2009
http://www.sudaress.com/rayaam/28446

كان عملاقاً في قامته، وفي وطنيته، وفي مواقفه السياسية، وفي شجاعته وجرأته ونزاهته وأدبه واحترامه وحبه للوطن وأهله. عرفته مبكراً من خلال علاقته بوالدي محمد الحسن محمد سعيد «أسبغ الله عليه شآبيب رحمته» حيث كانت دارنا في شندي هي داره، وكان وصوله يعني نشاطاً وطنياً كثيفاً في تنظيم المظاهرات ضد الاستعمار، وفي تعبئة شباب وجماهير المدينة لنيل الحرية والسيادة والوحدة مع مصر. ثم عرفته جيداً وعن قرب أثناء عملي في جريدة «الرأي العام» إذ كان صديقاً قريباً لأساتذتنا الكبار إسماعيل العتباني وحسن نجيلة والدكتور بشير البكري ومحمد خليفة طه الريفي، ثم عرفت عن كثب شجاعته وجرأته بعد ثورة اكتوبر 1964م، حيث وقعت أحداث الأحد الدامي في فبراير 1956م، ورأيته يحمل المايكرفون في سيارة تجوب الشوارع وهو يدعو بصوته الجهوري القوي، أبناء الخرطوم لنبذ العنف والتهدئة ويتوقف أمام تجمعات شمالية أو جنوبية، حاثاً على التهدئة ووقف العنف والحرق، وإفشاء التسامح والإخاء والمودة، ورأيت الكثيرين يتجاوبون معه، ويرددون الهتاف وراءه «وطن واحد شعب واحد»، واستطاع بجهوده وبجانبه كلمنت أمبورو وزير الداخلية بعد عودته من الجنوب أن يعيدا الهدوء والاطمئنان الى نفوس الجميع الذين أفزعهم ما حدث في يوم الأحد الأسود الدامي الذي أظهرت تحقيقات قضائية أنها عمل مدبر من جهات خارجية، وقد كان الدكتور احمد السيد حمد أول من فطن الى هذه الحقيقة، وتابعته كرجل دولة مقتدر في إدارة عمله في كل موقع تنفيذي اضطلع بمسؤولياته منذ العام 1966 حتى 1969م، ثم وللمفارقة تابعت مهزلة تقديمه لمحكمة الشعب بعد إنقلاب ما يو 1969م، حيث كان وزيراً للتجارة والتموين، وقدم للمحاكمة مع زميله حسن عوض الله وزير الداخلية ويحيى الفضلي وزير المواصلات، وكانت التهمة الموجهة إليه إعطاء تصاديق استيراد لتجار الحزب الاتحادي الديمقراطي، وأنه أثرى خلال عمله كوزير، وأظهر براعته وقدرته بأدب واحترام للشهود الذين أتوا للإداء بشهادات ضده لتجريحه، فإذا به يفضحهم الواحد تلو الآخر ويدحض إدعاءاتهم وأقوالهم، واستطاع ان يجعل من المحاكمة له ولزميليه ولحكومة الاتحادي الديمقراطي «وحزب الأمة» الى محاكمة للنظام العسكري الجديد الذي لم يحسن القرار، وافتقر الى الصواب، وأظهر من خلال المحاكمة أنه أراد التشفي من الحكم الديمقراطي المنتخب، فإذا المحاكمة وببراعة الدكتور أحمد السيد حمد وقدراته تعطيه شهادة الشرف والأمانة والنزاهة، وظهر أن ثلاثتهم وزراء التجارة والتموين والداخلية والمواصلات ليس في حساباتهم في البنوك سوى حفنة جنيهات، هي باقي المرتب الشهري، وليس لديهم أراضٍ سكنية، ولا منازل، وثلاثتهم يسكنون في منازل إيجار، وظل طوال المحاكمة شامخ الرأس في كبرياء واعتداد بالنفس، وفي أدب واحترام جعلت كل أسرة وبيت يفخر به كرمزية للوطنية والنزاهة والشرف والأمانة. وأنه رد الكيد والسهم المسموم للنظام الجديد الذي أراد تشويه الرموز الوطنية، ثم شهدته أبان انعقاد مؤتمر القمة العربي في «30 أغسطس 1967م» وقد تزامن مع وصول الرئيس جمال عبدالناصر مع وصول الملك فيصل بن عبدالعزيز الى مطار الخرطوم فإذا به يحمل المايكرفون في سيارة مكشوفة وهو يردد «شعب السودان يرحب بفيصل وعبدالناصر»، «مرحب مرحب قادة العرب»، «معاً معاً لتحقيق النصر»، ثم تابعت أداءه كمندوب للسودان في الجامعة العربية، وهو يسهم في فض النزاعات العربية الثنائىة، ويشدد على وحدة المصير والمصالح بين الدول العربية، ويعزز في تواصله ووشائجه مع القيادات المصرية لصالح تحقيق وحدة وادي النيل، ولعل الكثيرين يذكرون كيف انطلق صوته القوي من داخل برلمان وادي النيل في مصر الذي جمع نواب برلماني السودان ومصر، وهو يهتف «عاشت وحدة وادي النيل». وكانت له مكانة خاصة لدى مولانا السيد علي الميرغني، الذي اختاره ليكون رئىساً لتحرير «صوت السودان» بعد إكمال دراساته في مصر ليكون معبراً عن أماني وطموحات أهل السودان، وكذلك كان قريباً الى قلب وعقل مولانا السيد محمد عثمان الميرغني الذي ثابر على رعايته طوال سنواته الأخيرة وحتى رحيله. إن رحيل الدكتور احمد السيد حمد هو بمثابة رحيل آخر العمالقة العظام في السودان، وأن مسيرة كفاحه ونضاله ومواقفه تمثل ملحمة وطنية باهرة في تاريخ السودان الحديث، وأن فقده ليس هو فقد الحزب الاتحادي الديمقراطي، ولا فقد جماهيره ولا قياداته، وإنما هو فقد جسيم للوطن الغالي السودان الذي عاش له وعمل من أجله وأعطى له شبابه وجهده وصحته وفكره وبذل التضحيات تباعاً ليظل سوداناً قوياً، موحداً وشامخاً، أسبغ الله عليه شآبيب الرحمة. «إنا لله وإنا إليه راجعون.