المحرر موضوع: كيب تاون 3  (زيارة 7808 مرات)

Bakri Gabir

  • زائر
كيب تاون 3
« في: مارس 10, 2017, 02:33:27 مسائاً »
وهجٌ من شمسِ إفريقيا

كيب تاون

(3)


لم نتمكن من تنفيذ برنامج يومنا الثالث في كيب تاون كما كان مخططاً له نسبةً لوعكةٍ صحية ألمت ببنتي (أليس) استوجب معها إستدعاء الطبيب لغرفة الفندق حيث وصف لها مضاداً حيوياً لحالة الإلتهاب الرئوي الحاد التي أصابتها.لذا لزمنا نزلنا جل اليوم، خاصةً و أن درجة حرارتها كانت في إرتفاعٍ مضطرد.و عند المساء، بعد أن تحسنت حالتها قليلاً بتأثير المسكنات، خرجنا لتناول العشاء في مطعم بمنطقة V& A Waterfront، ثم قفلنا عائدين لننام مبكراً آملين بإن تسمح حالتها الصحية بمواصلة جولتنا ليوم الغد، و التي كنا خصصناها للذهاب لمنطقة رأس الرجاء الصالح الواقعة علي بعد أكثر من ساعتين من وسط المدينة في إتجاه الجنوب الغربي.و هي آخر نقطة في جنوب القارة السمراء.
كان الرحالة البرتغالي (بارثلوميو دياز)  قد اكتشف هذا الرأس من اليابسة في عام 1488 خلال بحثه عن ممر للسفن نحو الهند و آسيا مستنداً علي خرائط أعدها الرحالة العرب القدامى. وقد جاء بعده (فاسكو ديجاما) ليكمل أول رحلةٍ أوربية الى الهند عبر هذا المنفذ في نحو 1497، والذي لعب دوراً في  تضييّق الخناق على الدول الإسلامية التي كانت تشرف على درب الحرير عبر المتوسط و البحر الأحمر و تثتأثر بجباياته.
و يقع الرأس، الذي كان يُسمى في البداية (رأس العواصف) قبل أن يُطلِق عليه ملك البرتغال جون الثاني (رأس الرجاء الصالح)،على مقربةٍ من المنطقة التي يتعانق فيها المحيطان الأطلسي (بمياهه الباردة) و الهندي ( بمياهه الدافئة) حيث “ يلتقي مرج البحرين”.و كان ذلك كشفاً داوياً سهل رحلة القوافل الأوربية الى بلاد التوابل، قبل أن يقضي عليه إفتتاح قناة السويس المصرية في نوفمبر 1869.
في السادسة و النصف من صباح اليوم التالي، 22 يناير، جاءت حافلة صغيرة للركاب تقودها مواطنة من جنوب إفريقيا لتقلّنا من الفندق الى رأس الرجاء الصالح الذي وصلناه بعد أكثر من ثلاثة ساعاتٍ من السفر المتقطع، حيث توقفنا مرراراً في الطريق لينضم إلينا سياحاً جدد كانوا قد حجزوا معنا على نفس الرحلة.سلكنا طريقاً جبلياً رائعاً يحتشد بالخضرة و يُحازي زٌرقة الماء التي ترتمى مرةً ذات اليمن و أٌخرى ذات اليسار( فالمدينة  أشبه بالأرخبيل المتناثر داخل الماء)، و السحب فوقنا تمضي كأسرابٍ من القطن تفرد ملاءتها البيضاء على سطح الجبل…و تُسمى هذه االظاهرة -خاصةً على سطح جبل المنضدة - بمفرش الطاولة  Table Cloth،و ذلك عندما تُغطي السحابة هامة الجبل بما يشبه قطعة من القماش الأبيض المفروشة عليه.
في الطريق قابلنا أسراباً من قردة البابون (التِقل) التي تشتهر بها المنطقة.و لم يُوفوّت واحدٌ منها غفلتي خاطفاً بمهارةٍ فائقة قطعة الكيك و زجاجة الماء اللتان كانتا بحوزتي.
عند مدخل البوابة الرئيسية وجدنا أفواجاً من السياح مصطفين لصعود (عرفات) إفريقيا.و كان علينا أن نركب قطاراً كهربائياً صغيراً أوصلنا الى بداية قمة الرأس التي أكملنا المسير اليها مشياً على الأقدام. و من عليائه شاهدنا منظراً خلّاباً لعناق المياه، و بياض رغوه  وهو يضرب قاعدة الجبل، و نثار السحب الخفيفة يتدافع فوق رؤسنا و نحن نستمتع بإلتقاط الصور بحذرٍ  شديد خشية  لصوص الجبل (قرود البابون) التي تسرق الكحل من العين.
بعد منتصف النهار بقليل ركبنا حافلتنا عائدين للمدينة. توقفنا عند نقطة الكيب بوينت Cape Point الواقعة علي بعد 2.5 كيلومتراً جنوب غربي رأس الرجاء لإلتقط الصور.ثم واصلنا رحلتنا صوب المدينة لنتوقف مرة أُخرى في شاطئ بولدرز( Boulders Beach)  لمشاهدة البطريق الأفريقي الذي يتميّز بصغر حجمه و قدرته على العيش في مناخ دافئ. و هو نوع نادر من البطريق يعيش في هذه المحمية الطبيعية. بعدها أكملنا مسيرنا باتجاه المدينة، حيث غادرنا الحافلة عند مرسى السفن لنركب البحر في رحلة الحزن، صوب جزيرة روبن المعزولة لزيارة السجن اللئيم الذي قضي فيه مانديلا و رفاقه سنواتٍ طويلة من العذاب و الصبر في سبيل وطنٍ سيغدوا - بعد رحلة مديدة من الآلام- قلعةً للحرية و الديمقراطية و التآخي و السلام.

…و سنلتقي هناك قريباً بإذن الله


بكري…سيدني 24/02/2017