المحرر موضوع: كيب تاون  (زيارة 17512 مرات)

Bakri Gabir

  • زائر
كيب تاون
« في: فبراير 19, 2017, 11:48:01 صباحاً »
وهجٌ من شمس إفريقيا

كيب تاون

(2)

في صبيحة يومنا الثاني بكيب تاون الموافق 19/01/2017 توجّب علينا مغادرة الفندق باكراً لنستغل أول أُتوبيس سياحي متكرر الوقوف Hop on…Hop off bus من محطةٍ قبالة فندقنا الواقع بالقرب من المتحف القومي  بوسط المدينة،لنبدأ جولتنا السياحية الأولى في مدينةٍ تهيأت لصباح بهيّ،إغتسلت فيه شوارعها بالندى،و أفسحت سُحبها المجال لشمسٍ ذهبيةٍ لامعة سكبت ضوءها النقي على قمة جبل المنضدة (Table Mountain) الذي يتخذ شكل الطاولة، و بعثرت ما تبقى منه على سفوح المباني و الخضرة المبذولة عند قدمىّ الجبل.
سار بنا الأوتوبيس،المفتوح السطح بإتجاه شارع ((Long St الذي يشق وسط المدينة الى نصفين،تصطف عليهما الفنادق و المطاعم و المقاهي و المحال التجارية.مررنا بمباني البرلمان و مجمع المحاكم و المتحف اليهودي و منطقة الإقليم السادس ((District Six الشاهد على مأساة شعبٍ أُجبر على إخلاء مساكنه في الفترة ما بين 1968 الى 1982. حيث أُخرج نحو ستين الفاً من السود و الملونين و الهنود و الماليزيين و الأندنوسيين من منازلهم في إطار سياسة الفصل العنصري الرامية الى تفتيت الفسيفساء البشري المكوِّن لهذا البلد المتنوّع ثقافياً و دينياً و لغوياً، تحت زعم إستحالة التعايش بين الإثنيات و القوميات المختلفة.و لكن الغرض الحقيقي كان هو إضعاف وحدة التقارب العضوي بين هذه المجموعات المضطهدة التي أصبحت تصطف لمقاومة نظام الأبرتايهد القبيح. هذا الى جانب إخلاء المنطقة، ذات الموقع المتميّز على تخوم وسط المدينة و بمحازاة سفح جبل المنضدة، من سكانٍ لا يستحقون كل هذه “النعيم”. فأُلقى بهم بعيداً في أطراف المدينة التي أراد لها عنصريو الأبرتايهد أن تكون شقراء فقط.
توقفنا عند المتحف الواقع في قلب هذه المنطقة و الذي يحتوي على وقائع تلك المأساة  التي تحكي إحدى  فصول رواية طويلة من العذاب عاناه سكان كيب تاون ( و جنوب إفريقيا على وجه العموم) خلال رحلة الإثنين و أربعين عاماً من الأنين، هى عمر نظام الأبرتايهد الذي امتد ما بين الأعوام 1948 الى 1990. وجدنا بالمتحف صوراً للمساكن قبل إزالتها و بعض محتويات تلك المساكن،و مجموعة من اللافتات التي تحمل شئياً من جراح الحقبة مثل:”هذه الكنبة لجلوس البيض فقط”،أو “غير مسموح للسود و الملونين بالدخول من هذا الباب” و غيرها من المخلّفات العنصرية البغيضة الدالة على آثار أبشع تجربة في التاريخ الإنساني المعاصر.
خرجنا من المتحف (المتقيّح ) الى الشارع لنواصل جولتنا التي مررنا فيها بضاحية البوكاب المتميّزة بمبانيها الرائعة الملونة بألوان مبهجة. و هي الضاحية التي كانت و    لا يزال يسكنها المسلمون من أصول ماليزية و هندية و أندنوسية و سيرلانكية و إفريقية جئ بهم كرقيق للعمل في مشاريع المدينة الناهضة. وذلك قبل أن تقوم إنجلترا -التى إستولت على كيب تاون في 1795- بإلغاء الرقيق. شاهدنا على مقربةٍ من المساكن ذات الألوان الذاهية،المسجد العتيق بمعماره المتميّز، و بجواره تنتصب كنيسةً بهيّةً في أروع رمز للتعايش الديني في بلدٍ جُبل على التنوع و التعدد و قبول الآخر رغم قسوة نظام التفرقة العنصرية البغيض. توقفنا هذه المرة  عند قلعة الرجاء الصالح (The Castle of Good Hope) و التي تُعتبر أقدم مبنى في جنوب افريقيا باقٍ حتى الآن.وقد شُيّدت ما بين عامى 1666 و 1679 بواسطة الشركة الهولندية لشرق الهند (Dutch East India Company ) لحماية المدينة من هجمات القوات الإنجليزية المتوقعة على الكيب في ظل التوتر العسكري ما بين هولندا و إنجلترا آنذاك.و هذه الشركة هي التي أسست محمية كيب تاون  في نحو 1652 كنقطة لإستجمام و تزويد البحارة العابرين بسفنهم الهولندية عبر رأس الرجاء الصالح نحو جزر الإنديز الشرقية ( أندونسيا الحالية) و التي كان يسيطر عليها الهولنديون.
 تمتاز القلعة بمعمارها الصخري الصلب ذي الجدران العالية التي تضم صحناً فسيحاً بالداخل تُطل عليه غرف و ردهات ضخمة كانت في السابق ثكنات و مخازن للذخيرة و المؤن.و تعلوها أربع منارات بنوافذ يبرز من كلٍ منها مدفعٍ ضخم لحمايتها من الأعداء.و الغريب أن هذه القلعة كانت قد شُيّدت  على الشط الذي إنحسر عنها بمرور الزمن تاركاً إياها على يابسةٍ تبعد الآن نحو أكثر من كيلومترين عن الساحل.
غادرنا القلعة بعد ساعتين من التجوال لنركب الأُتوبيس الى المحطة الأخيرة في شارع (Long St) حيث كان علينا أن نستغل أُتوبيساً آخر صعد بنا الى أعلى قمة في المدينة لنرى كامل ( كيب تاون) بروعتها و خضرتها و شموخها من على جبل المنضدة الذي يُعد أحد عجائب الدنيا. قبل ذلك تمشيّنا في شارع لونغ ستريت الذي يشتهر ببازارات باعة التحف السياحية، و توقفنا قليلاً لتناول الغداء بمطعم إيطاليٍ صغير.
سرنا الى أعلى بطريق متعرّجٍ جميل يستند على كتف الجبل من ناحية،و يُطل على زرقة الماء المنبسط من ناحيةٍ أُخرى و يرنو الى المدينة التى تتضآءل كلما صعدنا الى الأعلى. عند سدرة منتهى الجبل،غادرنا الأُتوبيس لنكمل الصعود الى قمته على عربة كهربائيةٍ ضخمة (Cable Car) إنطلقت بنا الى شاهقٍ بدت لنا منه المدينة -المرتفعة نسبياً- كعقدٍ من الؤلؤ المنفرط على شفا الماء و الخضرة. قضينا علي قمة الجبل نحو الساعة إلتقطنا خلالها الصور و نحن نستمتع بالمشهد الذي يُتيح رؤية المدينة من كل جوانبها.بعد ذلك عُدنا أدراجنا الى الأتوبيس الذي تدحرج بنا الى أسفل المدينة لنجد أنفسنا،قُبيل مغيب الشمس، جالسين على مطعمٍ للوجبات البحرية قُبالة شاطئ ( V & A Waterfront ) الأثير لدينا،لتناول العشاء قبل أن نعود منهكين الى نُزلنا، و تيارٌ كهربائيٍ من المتعة يسري في عصب الروح.


…و نواصل جولتنا قريبا انشاءالله


بكري…سيدني  18/02/2017

Seedahmed Sharif

  • Newbie
  • *
  • مشاركة: 2
رد: كيب تاون
« رد #1 في: فبراير 20, 2017, 06:00:36 صباحاً »
مبدع دوماً بكري. لقد زرنا معكم كيب تاون من دون عناء سفر و زادت   معرفتنا بها و التي كانت تقتصر على مناخها المشابه لمناخ البحر الابيض المتوسط. نحن في الإنتظار بمشيئة الله 

Bakri Gabir

  • زائر
رد: كيب تاون
« رد #2 في: فبراير 20, 2017, 06:17:20 صباحاً »
تسلم يا ابوالسيد. .جنوب افريقيا بلد جميل حقا. .مناخا و موقعا و شعبا. .
من هنا أيضاً أدعو الأخ فضل الصادق اشراكنا معه فى رحلته الأخيرة بالكتابة عنها. .وهو صاحب القلم الرشيق

Seedahmed Sharif

  • Newbie
  • *
  • مشاركة: 2
رد: كيب تاون
« رد #3 في: فبراير 20, 2017, 07:32:15 صباحاً »
حقيقة ننتظر كتابات الاخوة فضل الصادق و معاذ كروم و د مجدي اسحق و د عثمان مبارك و صلاح الحلاوي و جميع مبدعي أليس لإثراء  هذه النافذه   

محمد خالد الحاج

  • Newbie
  • *
  • مشاركة: 7
  • أهلاً و مرحباً. أسعدنا تسجيلكم و إنضمامكم لنا في هذا الصرح الشامخ بإذن الله و نأمل من الله عز و جل أن تنشروا لنا كل مالديكم من إبداعات و مشاراكات جديدة لتضعوها لنا في هذا القالب المميز. نكرر الترحيب بكم و ننتظر جديدكم المبدع.
رد: كيب تاون
« رد #4 في: فبراير 25, 2017, 09:16:01 مسائاً »
(تيارٌ كهربائيٍ من المتعة يسري في عصب الروح) شكرا

Bakri Gabir

  • زائر
رد: كيب تاون
« رد #5 في: فبراير 26, 2017, 11:51:03 صباحاً »
شكراً لك انت يا صديقي الفاضل ابن الاستاذ الفاضل